موقعنا على الخريطة
الحقيقة الصادمة التي يصعب تجاهلها هي أن ما يحدث في ليبيا لم يعد مجرد فساد تقليدي، بل تحول إلى منظومة متكاملة لإدارة الثروة خارج الدولة، تُدار بعناية، وتُحمى أحيانًا بصمت دولي ثقيل، هنا، لا يصبح السؤال: من ينهب ثروات البلاد؟ بل السؤال الاهم من يسمح باستمرار هذا النهب؟. الفساد كوظيفة لا كجريمة في السياق الليبي لم يعد انحرافًا عن القاعدة، بل أصبح جزءًا من القاعدة نفسها، تنامي شبكات التهريب، تضخيم الاعتمادات، التلاعب بعوائد النفط، كلها ليست عمليات عشوائية، بل منظومة تُدار عبر هياكل شبه رسمية وتحظى بغطاء سياسي وتستفيد من الانقسام المؤسسي، وهنا تكمن المفارقة الخطيرة، فكلما تعمّق الانقسام، ازدهر الفساد… وكلما ازدهر الفساد، تعمّق الانقسام. المجتمع الدولي بين الخطاب والمصلحة: على مستوى الخطاب، يبدو المجتمع الدولي حازمًا بشأن ملف الفساد، تقارير أممية تنشر، وإدانات متكررة، وتهديدات بفرض عقوبات، لكن على مستوى الفعل، الصورة مختلفة تمامًا، فالعالم لا ينظر إلى ليبيا فقط كدولة تعاني من الفساد، بل كـخزان طاقة استراتيجي في منطقة مضطربة، وهنا تتقدم الأولويات، استمرار تدفق النفط منع الانهيار الكامل، ام احتواء الفوضى، أم محاربة الفساد؟، محاربة الفساد تأتي غالبًا في المرتبة الرابعة، إن لم تكن مجرد أداة ضغط!!. التوجه نحو إدارة الفساد بدل تفكيكه: الأكثر صدمة هو أن بعض القوى الدولية لا تسعى إلى القضاء على الفساد، بل إلى إدارته، عبر دعم توازن هش بين الأطراف، وغضّ الطرف عن شخصيات نافذة، واستخدام ملفات الفساد كورقة تفاوض، وبهذا الشكل، يصبح الفساد أداة سياسية قابلة للاستخدام… لا خطراً يجب إنهاؤه. التساؤل هنا لماذا لا تُفرض عقوبات حقيقية على المفسدين رغم وضوح التقارير؟!، فالعقوبات تبقى محدودة وانتقائية، والسبب ليس غياب الأدلة، بل تضارب مصالح الدول الكبرى، والخشية من تعطيل إنتاج النفط، والقلق من فراغ أمني أكبر، بمعنى آخر، الاستقرار ولو كان نسبي، ولو كانت المنظومة سمتها الفساد أفضل في معاييرهم من المجهول. النفط يبقى مفتاح الصمت الدولي، فلو كانت ليبيا دولة فقيرة بلا نفط، ربما اختلف الموقف الدولي جذريًا، لكن النفط غيّر المعادلة، لانه مصدر اهتمام عالمي، وهو أيضًا سبب التغاضي عن كثير من التجاوزات، هكذا يصبح السؤال الحقيقي: هل يريد العالم ليبيا مستقرة ونزيهة… أم فقط منتجة للنفط؟!. إذاً الحقيقة التي لا تُقال هي أن المجتمع الدولي ليس غافلًا عما يحدث في ليبيا، بل يدركه جيدًا، لكنه في كثير من الأحيان لا يسعى لتفكيك شبكات الفساد بشكل جذري، بل يكتفي بضبط إيقاعها بما لا يهدد مصالحه، وهنا تكمن المأساة، ليبيا لا تعاني فقط من فساد داخلي، بل من تواطؤ دولي صامت، يفضّل إدارة الأزمة بدل حلّها. خاتمة: في ظل هذا الواقع، لن يكون السؤال: متى ينتهي الفساد في ليبيا؟ بل هل يُسمح له أصلًا أن ينتهي؟.